قُبلة سيلڤيا پلاث في إسطبل الخيول - الجزء الثاني



نستكمل هذا الأسبوع الجزء الثاني من مذكّرات الشاعرة الأمريكية الشهيرة سيلڤيا پلاث، بدأت القصة حين كانت تعمل في حقل الفراولة خلال فترة شبابها، واستمرت لتشهد العديد من الأحداث التي دونتها سيلڤيا في دفترها الجامعي واحتفظت بها حتى وفاتها، ليقوم بنشرها زوجها تيد هيوز بعد رحيلها. * “هنالك أشياء من الصعب الكتابة عنها. عندما تتعرض لتجربة ما، وتذهب وتحاول أن تكتبها، إما أن تبالغ في وصفها، وإما أن تقلل من قيمتها، إما أن تضخّم الأجزاء الخاطئة، أو تتجاهل الأجزاء الهامة. وفي كل الأحوال، لا تنجح أبدًا في كتابتها بالطريقة التي تريد. لقد وصلت للتو وأريد أن أكتب ما حدث لي هذه الظهيرة. لا أستطيع إخبار والدتي؛ ليس الآن على كل حال. كانت في غرفتي عندما وصلت إلى المنزل، تعتني بالملابس، ولم تلاحظ حتى أن شيئًا ما قد حدث. استمرت بالتوبيخ والثرثرة ولم أستطع إيقافها لأخبرها. مهما كانت الطريقة التي سأختارها، عليّ أن أكتبها. كانت السماء تمطر طوال الظهيرة على الحقل، وكنت أشعر بالبرد والبلل، شعري أسفل منديل الحرير، وأرتدي سترة تزلج حمراء فوق قميصي. لقد عملت بجد وأخذت معي كمية من محصول اليوم. الجميع غادر المكان حين وصلت الساعة إلى تمام الخامسة مساءً، وكنت وحدي أنتظر على جانب الطريق ليوصلني أحد إلى المنزل. جاءت كاثي، وصعدت على دراجتها ونادتني، "ها هو آيلو يقترب.” نظرتُ، وكنت متأكدة بما يكفي أنه يقف هناك، يقترب من أعلى الطريق في قميصه البنّي المخضر، ووشاحه الأبيض الحريري المألوف مربوطًا حول رأسه. كان آيلو قد أعطاني رسمًا للمزرعة، فيه كل تفاصيل الحقل الدقيقة. والآن يعمل على رسم آخر لأحد الصبية. فبادرت بسؤاله، “هل انتهيت من رسم جون؟” ابتسم وقال: “أوه، نعم، نعم. تعالي وانظري. إنها فرصتك الأخيرة.” فذهبت معه إلى الإسطبل حيث يعيش.

في الطريق، ذهبنا إلى ماري لنوصل لها القهوة. وشعرت بها وهي تنظر لي بغرابة. ولسبب ما لم أستطع النظر إلى عينيها. نظر إليها آيلو وألقى عليها التحية. وردت عليه ماري بطريقة باردة وبصوت خافت.في طريقنا أيضًا صادفنا جيني، سالي، ومجموعة من الأطفال الذين كانوا يحتمون بسقيفة الشاحنات. خفضت رأسي وتابعت المشي وأنا أنظر للأرض. ثم وصلنا إلى الإسطبل، كان المكان ضخمًا، مساحة عملاقة مرتفعة السقف، ورائحة الخيول والقش الرطب تملأ المكان. وفي الداخل كان كل شيء معتمًا؛ ظننت أنني شاهدت جسمًا لرجل في الطرف الآخر من الإسطبل، لكنني لم أكن متأكدة. ودون أن يتحدث بكلمة، بدأ آيلو بتسلّق مسار ضيّق من السلالم الخشبيّة. سألته: “هل تعيش في الأعلى؟ فوق كل هذه السلالم؟” استمر بالصعود، فتبعته، وترددت عندما وصلت للقمة. لكنه ناداني: “تعالي، تعالي،” وقام بفتح الباب. وإذا بالرسم الذي أخبرني عنه أمامي في غرفته. تجاوزت عتبة الباب. كانت الغرفة ضيّقة تحتوي على نافذتين، طاولة مليئة بالرسوم، وسرير مغطّى بلحاف غامق اللون. جهاز راديو وقليل من الحليب والبرتقال على الطاولة. أمسك بالرسم وأعطاني إياه. كان رسمًا جميلًا لوجه جون. مازلت أتذكر حتى الآن كيف أغلق آيلو الباب، كيف وضع الموسيقى. كيف كان يتحدث بسرعة فائقة، ويريني قلم الرصاص الذي يستخدمه: “أترين، هنا رأس القلم بإمكاني أن أضعه على أي مقاس أريده.” كنت مدركة تمامًا لدرجة القرب بيننا. زرقة عينيه كانت تقترب مني بشكل مذهل، تنظر إليّ بجرأة، وكأنها تضحك. بادرته قائله: “علي الذهاب الآن. الجميع بانتظاري. كانت اللوحة جميلة.”

ابتسم، ووقف بيني وبين الباب. وبحركة سريعة طوّق ذراعه حولي. وفجأة أصبح فمه على فمي، عنيفًا، شديد العنف، ولسانه ينفذ كالسهم بين شفاهي، ويداه كالحديد حول جسدي. “آيلو، آيلو!” لا أعلم هل كنت أصرخ أم أهمس، لكنني كنت أقاوم كي أتحرر منه، يداي كانتا تتحركان بسرعة وعبث أمام قوته العظيمة. في النهاية تركني، وتراجع للخلف. وضعت يدي على فمي، لقد تغيّر، لقد أصبح دافئًا بسبب قبلته. نظر إليّ بتساؤل وبشيء من التعجّب لرؤيته لي وأنا أبكي، وأنا خائفة.

لم يقبّلني أحد بهذه الطريقة من قبل، وقفت هناك أشعر بالرغبة، بالكهرباء وهي تعبر جسدي. “لماذا، لماذا؟” وأصدر صوتًا يوحي بتعاطفه وربما استخفافه. “سأحضر لكِ القليل من الماء.” وناولني كأس الماء، فشربته بسرعة. ثم قام بفتح الباب، واتجهت كالعمياء إلى الدرج، حتى خرجت ومررت بجانب مايبيل وروبرت، وبقية الأطفال، الذين نادوا اسمي بالطريقة المميزة التي ينطق بها الأطفال الكلمات. ومررت أيضًا قرب ماري، لو، ووالدتهما الذين وقفوا جميعًا هناك، في صمت، وفي حضور مظلم.

وقفت على الطريق، بينما كانت شاحنة تعبر أمامي قادمةً من وراء الإسطبل. لقد كان بيرني … الفتى الكريه والقصير، صاحب العضلات الذي يعمل في غرفة الغسيل. كانت عيناه تلمعان بفرح خبيث، واستمرّ في القيادة بسرعة، فلم أستطع اللحاق به. هل كان في الإسطبل طوال الوقت؟ هل رأى آيلو وهو يغلق الباب؟ هل رآني أخرج منه؟ أظن أنه قد رأى كل شيء. انطلقت بسرعة إلى غرفة الغسيل حيث السيارات. فنادى عليّ بيرني بصوت مرتفع: “لماذا تبكين؟” لكنني لم أكن أبكي. جاء كيني وفريدي معًا على إحدى القاطرات. وخلفهما مجموعة من الصبية العائدين إلى منازلهم، نظر إليّ الجميع وفي أعينهم ضوء لامع، حتى سألني أحدهم وعلى وجهه ابتسامة واثقة “هل قام بتقبيلك؟”.

شعرت بأنني مريضة. لم أكن أستطع التحدث أو الرد. صوتي كان مسجونًا في حلقي، غليظًا ومليئًا بالفرو. جاء بعدها السيد تومبكِنز إلى المضخّة ليراقب كيني وفريدي وهما يعملان على سيارة المخزن القديمة. لقد كانا لطيفين، لكنهما يعلمان ما حدث. الجميع بالتأكيد كان يعلم ما حدث. وقفت هناك، ضممت ذراعيّ إلى بعضهما، أحدّق في المحرّك الصاخب، أبتسم كما لو أن شيئًا لم يحدث. جلس مِلتون إلى جانبي على مقعد السيارة لنذهب إلى المنزل. تولّى ديفيد القيادة، وكان آندي يجلس في المقدمة معه. جميعهم كانوا ينظرون إليّ وفي أعينهم ضوء راقص. بادر ديفيد وقال لي بصوت حازم متصنّع، “الجميع في غرفة الغسيل كانوا يشاهدونكِ وأنتِ تدخلين إلى الإسطبل، ويتبادلون الدعابات.” مِلتون سألني عن اللوحة. فأجبته بأننا تحدثنا قليلًا عن الفن والرسم. لقد كانوا جميعًا لطفاء معي. ربما كانوا يتوقعون مني أن أبكي. لكنهم كانوا يعلمون بما حدث رغم كل شيء، كانوا يعلمون.

الآن أنا في المنزل. وغدًا سيكون عليّ مواجهة كل مَن في المزرعة اللعينة. يا إلهي، ربما كان هذا مجرد حلم. بالكاد أستطيع تصديق أنه حدث. ولكن اسمي غدًا سيكون على لسان الجميع. آه كم أتمنى لو كنت ذكيّة، أو مراوغة، ولكن الحقيقة أنني خائفة جدًا. ليته لم يقبّلني. عليّ الآن أن أكذب وأقول بأنه لم يفعل. لكنهم يعلمون. جميعهم يعلمون. ومن أكون أنا ضد كلّ هولاء …؟

بإمكانكم التواصل معي هنا

© جميع الحقوق محفوظة لمعطف فوق سرير العالم