سيلڤيا پلاث في حقل الفراولة - الجزء الأول



هذا الأسبوع يتحدث تيد هيوز زوج الشاعرة الشهيرة سيلڤيا پلاث عن مذكّراتها ويقدّم لها ليكشف خلال حديثه عن الانتقال الروحي الذي مرّت به الشاعرة. ونستعرض بعد مقدمته الجزء الأول من مختارات مذكّراتها والتي ستستكمل الأسبوع القادم.

ماذا كانت تريد سيلڤيا پلاث؟ لماذا انتحرت؟ ربما لو كانت في ثقافة مختلفة عن ثقافتها، لكانت أكثر سعادة. هنالك شيء متعلّق بها يذكّرنا بما قرأناه عن العشّاق المتعصّبين لحب الله في الإسلام -الشغف والرغبة في التجرّد من كل شيء، من الكثافة النهائية، من الالتحام بالروح، أو بالواقع، أو ببساطة من الالتحام بالكثافة نفسها. لقد أظهرت پلاث طبيعتها العنيفة، البدائية، والأنثوية أيضًا، لقد أظهرت التأهب، والحاجة إلى التضحية بكل شيء للحصول على ولادة جديدة. كانت هذه طريقتها الواضحة في التشكّل. ومرّت هذه الطريقة بعدة مراحل، كانت المرحلة السلبية لها عندما انتحرت. ولكن المرحلة الإيجابية (والمتداولة أكثر ضمن سياق المصطلحات الدينية) هي موت الذات المزيّفة القديمة، وولادة ذات أخرى حقيقية. وكان هذا ما حققته پلاث أخيرًا بعد عملية مخاض طويلة ومؤلمة.

قصائدها الأخيرة تجعلنا نسمع صوت هذه الذات الجديدة. إنها الدليل على وصولها. كل ما كتبته پلاث خارج هذه المذكرات كان عبارة عن خسائرها التي خسرتها لأجل إتمام عملية الحمل. كانت پلاث امرأة ذات أقنعة عديدة، في حياتها الشخصيّة وفي كتابتها. بعضها كانت أقنعة زائفة مبتذلة للتمويه فقط، تستخدمها بشكل لا إرادي كوسائل دفاعية. وبعضها كانت مدروسة بعناية، تستخدمها للبحث عن مفاتيح للأشكال التي تريدها. لقد عشت معها ست سنوات كاملة، لم أفارقها خلالها يومًا إلا عند ساعات النوم، ولم أرها وهي تكشف عن ذاتها الحقيقية لأي أحد، عدا في الأشهر الثلاثة الأخيرة من حياتها. مذكراتها محفوظة في عدد من الأوراق الغير منظمة. هذه المختارات تمثل بعضًا منها فقط، وكتبت فيها سيلڤيا حتى آخر ثلاثة أيام في حياتها. وبعض المذكرات مفقودة لأنني تخلصت منها بنفسي في ذلك الوقت، لم أكن أريد لأطفالها أن يقرأوها (في تلك الأيام كان النسيان جزءًا من محاولتي للنجاة). تيد هيوز * “بعد أن قضمنا الحياة كتفّاحة لامعة، أو، بعد أن لعبنا بها مثل سمكة، بعد أن جرّبنا السعادة، بعد أن لمسنا بأصابعنا السماء وشعرنا بزرقتها، ماذا تبقّى أمامنا لننتظره؟ ليس شفق الآلهة بل الفجر الدقيق المصنوع من الطوب الرماديّ الشاحب ومن صبية الجرائد وهم يبكون الحرب.” لويس مكنيس “نبدأ بالحياة فقط عندما نفهمها على أنها مأساة ….”ويليام بتلر ييتس “تمسّك بالآن، بالـ هُنا، حيث يغرق كل المستقبل في الماضي ….”جيمس جويس كانت هذه الاقتباسات مكتوبة كما هي في مذكرات سيلڤيا پلاث الأصليّة. سيلڤيا پلاث في حقل الفراولة “يوليو 1950. ربما لن أصبح سعيدة أبدًا، ولكنني الليلة مطمئنة. لا شيء لدي سوى منزل فارغ، والإرهاق الدافئ الذي أصابني بسبب اليوم الطويل الذي قضيته وأنا أزرع نباتات الفراولة تحت الشمس، كأس من الحليب البارد اللذيذ، وقليل من التوت البري العائم في القشطة. الآن أصبحت أعرف كيف يتمكن الناس من العيش دون كتب، دون دراسة. عندما تتعب لهذه الدرجة عند نهاية اليوم، عليك أن تنام مباشرة، وعند فجر اليوم التالي ستكون أمامك نباتات فراولة أخرى لتغرسها، وهكذا تستمر بالعيش، قرب الأرض. في أوقات كهذه سأكون مغفّلة لو طلبت المزيد.آيلو سألني اليوم في حقل الفراولة، "هل تحبين رسّامي عصر النهضة؟ رافاييل ومايكل أنجلو؟ لقد نسخت بعض أعمال مايكل أنجلو مرة. وما رأيك في بيكاسو؟ … هذا الرسام الذي يصنع الدوائر ويرسم عصا صغيرة بالأسفل لتكون قدمًا؟” لقد عملنا بجانب بعضنا في صفوف الحقل، وكان هادئًا معظم الوقت، ولكنه ينفجر أحيانًا بطريقة مفاجئة ويحادثني بلهجته الألمانية الغليظة. يقف، يبتسم بوجهه الحاد الملامح. جسده الممتلئ بالعضلات يصبح برونزيًا، وشعره الأشقر مطوي أسفل وشاح رقبته. “أتحبين فرانك سيناترا؟ إنه حساس جدًا، إنه رومانسي جدًا، كضوء القمر ليلًا، چا؟”لمحة من ضوء أزرق مائل تعبر بلاط غرفة شاغرة. علمت حينها أن هذا الضوء ليس من الشارع، بل من القمر. أهناك شيء أجمل من أن أكون عذراء، شابّة، نظيفة وغير ممسوسة في ليلة كهذه؟ … (أن أتعرّض للاغتصاب.)*“


"اليوم هو الأول من أغسطس. الجو حار، رطب ومليء بالبخار. إنها تمطر. أنوي كتابة قصيدة. ولكنني تذكرت ما تقوله: بعد هطول المطر الغزير، كل القصائد المسمّاة "مطر” ستبدأ بالانسكاب من أنحاء البلاد البعيدة. معي، يكون الحاضر لا نهائيًا، واللانهائيّ متغيّر دائمًا. يتدفّق، يذوب. هذه اللحظة هي الحياة. وعندما تنتهي، تصبح ميتة. ولكنك لا تستطيع أن تبدأ من جديد مع كل ثانية جديدة، عليك أن تقيس وتقارن بما هو ميت. الأمر يشبه الرمال المتحرّكة … لا أمل لها منذ البداية. بإمكان قصة، أو صورة أن تجدد الشعور ولو قليلًا، ولكن ليس بما يكفي، ليس بما يكفي. لا شيء حقيقي سوى الحاضر، وأنا أشعر تلقائيًا بثقل القرون وهي تجثم على صدري. فتاةٌ ما قد عاشت قبل مئة عام كما أعيش الآن. وهي الآن ميّتة. أنا حاضرها، وأعلم أنني سأعبر مثلها. اللحظة العالية، النور خاطف، النور يظهر ويختفي بسرعة، الرمال متحرّكة لا تتوقف. وأنا لا أريد أن أموت.“

بإمكانكم التواصل معي هنا

© جميع الحقوق محفوظة لمعطف فوق سرير العالم