راي برادبيري، رجل في بذلة آيس كريم رائعة


سيتحدث هذا السبت سام ويللر مع راي برادبيري في مقابلة يستكشف فيها آراءه المثيرة للاهتمام، حول الطفولة، الكتابة، الشهرة، الجنس، والعديد من الأفكار الهامة. أتمنى لكم قراءة ممتعة. مقابلة: سام ويللر ترجمة: محمد الضبع إنه صريح، صاخب، ممتلئ بالبهجة joie de vivre. إنه إنسان من عواصف قصاصات الورق الملونة. إنه مَن يحتفل بالثلج، بالطاقة المتحرّكة. إنه شجاع أيضًا عندما يتعلق الأمر بمشاركة آرائه في السياسة، والدين، ونقد السينما المعاصرة، وأكثر من هذا بكثير. إنه رجل صرخة الكون العظيمة. راي برادبيري هو أحد أعظم رجال الأدب في القرن العشرين، كاتب خصب جدًا استطاع استكشاف مساحاته الفلسفية الخاصة به وصنع أساطيره الجديدة. في قصته “البجعة” يحكي عن شاب في مقتبل حياته، يلتقي بامرأة مسنّة في نهاية حياتها، ليدركا معًا أنهما ينتميان لبعضهما، لكنهما التقيا في نقطة خاطئة من الزمن. وفي قصته “صوت الرعد” يدوس مسافر عبر الزمن على فراشة ويعود إلى الحاضر ليكتشف أن عالمه تغيّر كليًا دون رجعة. وبسبب هذه القصة، دخل تعبير “أثر الفراشة” لغة الاستعارة وأصبح يعبّر عن أصغر القرارات التي نتخذها ويكون لها آثارها الهائلة على الكون. تزوج من زوجته مارغريت ماكلور وفي حسابهما 8 دولارات فقط. وأخذ منها خمسة دولارات وذهب بها إلى القس كي يدفع له بعد انقضاء مراسم الزواج، فسأله القس: “ما هو عملك؟” فأجابه برادبيري: “كاتب.” فقال له القس: “إذن ستحتاج إلى هذه الخمسة دولارات أكثر مني، خذها.” فأخذها وذهب. لم يكن يملك أي مال وقتها. كان يبيع قصصه بعشرين دولار كي يدفع ثمن مصاريف المنزل والبيتزا الرخيصة، ولم يتمكن من شراء سيارة حتى أصبح لديه أربعة أبناء وقد تجاوز عمره السابعة والثلاثين. * الطفولة ويللر: في كثير من رواياتك وقصصك من الملاحظ أنك تكتب عن الطفولة. إنها واحدة من الثيمات المهيمنة على أعمالك. لماذا تعود دائمًا لطفولتك في كتاباتك؟ برادبيري: الأمر يعود إلى أبعد من الطفولة، الأمر يعود إلى الأسطورة. إلى جذور نظامك الأولى. ليست الطفولة فحسب، بل كل الأشياء الأخرى الهامة. إلى أحدب نوتردام، إلى شبح الأوبرا، إلى كتب إدغار رايس بوروس. إنه يعود إلى الديناصورات حتى. لم أفقد ذاكرتي وجذوري أبدًا. ولم أكن لأكتب كل هذه الكتب لولا هذه الذاكرة. ويللر: ما هي أقدم ذاكرة لك عندما كنت طفلًا؟ برادبيري: أتذكر اليوم الذي ولدت فيه. لقد مررت بما يشبه التذكر الكامل لتجربة ولادتي. وهذا أمر تجادلت فيه مع العديد من علماء النفس والأصدقاء خلال سنوات حياتي. يقولون لي إن هذا مستحيل! ولكني أتذكر. وأقول لهولاء، “هل كنتم هناك حينها؟ لأنني كنت هناك.” لقد لبثت في رحم أمي عشرة أشهر، معظم البشر يلبثون تسعة أشهر فقط، وعندما تلبث كل هذه المدة في الرحم، تتطور حواسّك أكثر، حاسة البصر وحاسة السمع بالذات. لذلك ما زلت أتذكر جيدًا لحظة ولادتي. سألت أمي ذات مرة: “متى قمتم بختاني؟” أجابتني، “بعد خمسة أيام من ولادتك.” فقلت لها: “لم يكن ذلك في المستشفى، صحيح؟” أجابت،: “لا.” قلت: “ولم يكن أيضًا في المنزل ولا في أي مكان آخر. هل أخذني أبي إلى وسط المدينة، وحملني وصعد بي الدرج حتى أوصلني إلى غرفة ووضعني على طاولة هناك، وكان بانتظارنا رجل وامرأة معهما مشرط؟ أتذكر الألم.” ذاكرتي حيّة! من أين يمكن لي الحصول على ذاكرة كهذه؟ لا أحد سيخبر طفلًا بالحقيقة. خاصةً عندما يكون قد ولد مثلي سنة 1920، حينما كانت الثقافة ماتزال متأثرة بالعصور الفيكتوريّة.

* الشهرة قد يتهمه البعض بأنه يحب إلقاء الأسماء أينما ذهب. لكن إذا كنت في مكانه وعشت حياة طويلة حققت فيها كل شيء تقريبًا في حقل الإعلام والأدب والسينما، فإنك ستلتقي بالعديد من الأشخاص المشهورين. ذات ليلة في حفل مجتمع الفيلم الأمريكي كان فرانك سيناترا بين الجموع، اقترب منه راي برادبيري وقال: “سيد سيناترا؟” رد عليه: “نعم؟” بادره قائلًا: “اسمي راي برادبيري. أنا كاتب، وأنا أحبك كثيرًا.” اخترقت الابتسامة وجه سيناترا وقال له: “وأنا كذلك.” لقد أثر في العديد من روّاد موسيقى الروك عبر السنوات. إلتون جون وصديقه كاتب الأغاني بيرني تابين كتب أغنيته الشهيرة Rocket Man كإجلال لقصة راي برادبيري التي حملت الاسم ذاته والتي نشرت عام 1951. ويللر: إلى أي درجة يهمك أن تحقق الخلود الأدبي؟ برادبيري: لا أفكر في هذا. ولكن كما تعلم، لطالما كانت حياتي صراعًا ضد الموت. أنهي القصة وأنطلق إلى صندوق البريد، لأضعها هناك وأقول، “حسنًا أيها الموت، لقد سبقتك.” أترى؟ في كل مرة أكتب فيها قصة قصيرة، أو مقالة، أو قصيدة، أو أنتهي من رواية جديدة، أنا متقدم على الموت. لقد أنجزت الكثير منذ أن أصبت بالسكتة سنة 1999. لا يوجد أي ضمان بأنني سأعيش حتى السنة القادمة أو حتى الغد. أتمنى أن أستمر بالحياة، لكن عندما أكون قد تعرضت لتجربة كهذه، لا أحد يعلم ماذا يمكن أن يحدث لي أيضًا. لكنها كانت تجربة مفيدة لي، علمتني أن أستولي على أيامي من جديد. كنت حينها قد توقفت عن فعل هذا.

* قصصه وأعماله ويللر: أعرف أنه من بين كل قصصك، هناك قصة واحدة لها مكانة خاصة لديك عنوانها: “مومياء العقيد ستونستيل المصرية.” حدثني عنها. برادبيري: القصة تعبر عن العلاقة بين جزئين من ذاتي. الرجل المسن والصبي داخلي. في هذه القصة يشتكي الصبي من الملل. فيأتي الرجل المسن لينقذ الصبي من ملله، ومباشرة يبدأ بصنع تلك المومياء للصبي. وعندما ينتهي منها، يقوم بوضعها مع الصبي خارجًا في الحقل كي يتم اكتشافها. وبعدها يقوم السكان باكتشاف المومياء، ثم ينقلب كل شيء! فجأة! يا إلهي، أصبحا مشهورَين! وأصبح الناس يأتون من كل مكان في العالم ليشاهدوا المومياء. وهكذا، في النهاية، تبدأ الكذبة بالتداعي، وتسبب لهما المشاكل، فيعطي العقيد المومياء للصبي، ويقول له، “قم بإخفائها، قد يأتيك يوم قادم في حياتك ستحتاجها فيه مرة أخرى.” يرد عليه الصبي، “أيها العقيد، لدي شعور بأنني لن أحتاج هذه المومياء مرة أخرى.” ثم يبدأ بالحديث عن رغبته في أن يصبح كاتبًا. وعن أنه سيكتب قصته، ولن يحتاج إلى المومياء بعد الآن. أحب هذه القصة. إنها تجعلني أبكي لأن ذاتي الطفلة تتحدث فيها إلى ذاتي المسنّة. وموميائي مخبأة في مكان ما، ولست مضطرًا لإخراجها. لدي قصتي. إنها فكرة عظيمة. من هنا تأتي الأفكار العظيمة. ويللر: قصتك الأخرى “أي صديق لنيكولاس نيكلبي هو صديقي أيضًا،” تناقش فكرة مقاربة لهذه الفكرة، بين الصبي والمسن. برادبيري: هنا يحرّض الرجل المسن الصبي ليصبح كاتبًا. إنها تحيتي التي كتبتها لتشارلز ديكنز. روايته “قصة مدينتين” واحدة من أروع الروايات التي كتبت على الإطلاق. إنها شعر نقي. تبدأ بالشعر وتنتهي بالشعر. عندما قرأتها أصبح ديكنز مركز حياتي وجعلني أكتب كل الشعر الذي كتبته طوال حياتي. ويللر: لماذا في رأيك لديك الكثير من القرّاء؟ برادبيري: أنا أكتب أساطير اليونان، وأساطير الرومان، وهذا يصنع الفرق. عندما كنّا أطفالًا كنا نحب الأساطير. إنها متعلّقة بالحب، ولم نكن نعرف وقتها ما هو الحب بالضبط. كنت متأثرًا في طفولتي بأساطير الفراعنة، بأساطير النرويج والصين والسويد. لهذا السبب قصصي منتشرة بين القرّاء. لأن بإمكانهم تذكرها ولأنها لا تؤلمهم. بإمكاني الحديث عن الموت. عن الجنس، والذي هو لغز، لغز جميل. ثم تبدأ دواخلهم بالارتعاش، ولا أعلم إن كنت أنا من يسبب هذا، ولكنه يحدث. ويللر: حدثني عن روايتك الشهيرة “فهرنهايت 451"، كيف تمكنت من الذهاب كل يوم إلى مكتبة جامعة كاليفورنيا لتسعة أيام متواصلة لتكتبها؟ برادبيري: كنت أذهب بواسطة الحافلة. في أحد الأيام عندما كنت أعمل على الرواية، خرجت لأنتظر الحافلة وإذا بشاب يجلس بجانبي في مقعد الانتظار. كنت حينها في التاسعة والعشرين من عمري، وكان هو في الثانية والعشرين، ومعه الكثير من الكتب. تأخرت الحافلة بعض الشيء، نظرت إلى كتبه فوجدت أنها مجموعة من الكتب العلمية، وبدأنا بالحديث، سألني إن كنت مشتركًا في نادي الخيال العلمي بالجامعة، أجبته، "نعم!” ثم سألته عن كتّابه المفضلين، أجابني، “حسنًا، أسيموڤ، كليرك، هينلين … ” وبقيت أنتظر، ثم قال، “برادبيري،” فقلت، “أووه! هل تحب برادبيري؟” أجابني، “نعم كثيرًا” قلت له، “هل تود رؤيته؟” قال لي، “نعم، بالتأكيد أحب أن أراه.” فقلت له، “ها هو يجلس بجانبك.” ثم أصابته الصدمة ولم يصدق. ثم سألته عن اسمه الأخير، فأجابني، “همنغواي.” لقد كان ابن إرنست همنغواي! اكتشفت أنه يعيش على بعد عدة بنايات من منزلي. وقمت بدعوته في المرة القادمة مع زوجته وطفله.

* الجنس ويللر: لم تكتب كثيرًا عن الجنس خلال كل هذه السنوات. لماذا؟ برادبيري: لأنني حظيت بحياة جنسية جيدة. إذا حظيت بحياة جنسية جيدة، لماذا ستفكر بالكتابة عنها؟ إلا إذا استطعت الكتابة عنها بطريقة غير مباشرة. في إحدى قصصي القصيرة، تجد كل هذا. إذا وقع صبي وفتاة في الحب، ستعلم حتمًا حينها أنهما سيذهبان للسرير معًا. ولكن مَن يهتم لهذا؟ لماذا أكتب عنه؟ إنها مساحة مألوفة ويعرفها الجميع. لا توجد طريقة لكتابتها بشكل مميز. ويللر: حدّثني عن قصتك “جونيور”. برادبيري: لم أتمكن أبدًا من بيع تلك القصة. أرسلتها إلى مجلة Playboy ولم يقبلوها، أخبروني بأنها لا تناسبهم. أحب تلك القصة! ولكنها ليست قصة مثيرة جنسيًا. إنها قصة عن الحلم والذاكرة. إنها عزيزة علي كثيرًا، وحزينة بعض الشيء. ولكن عندما تكون شابًا فإنك قد تبدأ بكتابة قصص البورن لنفسك، ثم تلقي بها وتتخلص منها. ويللر: هل فعلت هذا؟ برادبيري: أوه بالتأكيد. الجميع يفعل هذا في سن المراهقة. لم نكن نملك أعداد مجلة Playboy. ولم يستطع أحد أن يحصل على صور لنساء عاريات وقتها. الناس لا تدرك كم أن Playboy حديثة التأسيس. لقد ساهمت في تأسيسيها. روايتي “فهرنهايت 451” كانت هي العدد الثاني والثالث والرابع من Playboy. هنفر مؤسس المجلة لم يكن لديه أي مال حينها، وكان يحتاج إلى قصة. فبعتها له مقابل أربع مئة دولار. جاءني لاحقًا في حفلة ما، وكان أول ما قاله لي: “لقد كنت إلى جانبي عندما احتجت إليك.” ويللر: لقد كنت صريحًا فيما يتعلق بمشاكل الجنس في الماضي، بالذات في نقدك  وحديثك عن جوع الذكور للقوة. برادبيري: الرجال يمثلون الجنس الأدنى. ونحن نتظاهر بأننا نملك القوة ونعاكس طبيعتنا. غرور الذكر هو مشكلة العالم في كل مكان. من الأسهل التعامل مع النساء. الرجال لا يقبلون الاستماع إلى أي أحد. ونحن متغطرسون ونشعل الحروب وندمّر الكثير، ولكننا نبني أيضًا. لذلك نحن خليط من أضداد الأشياء، من السيء والجيد. ونحن أيضًا مشكلة حقيقية أمام النساء لا يستطعن فهمها، لمزاجاتنا المتقلبة وحاجاتنا، والتي في بعض الأحيان تصبح جذّابة ومثيرة لهن. الرجال لا ينضجون أبدًا، ومعظم مَن في السجون هم من الرجال، أليس كذلك؟ القليلات فقط من النساء يتحوّلن إلى مجرمات. أغلب القتلة والمغتصبين ومَن يؤذون الناس هم من الرجال. * برادبيري يعيش بقاعدة واحدة، يعلّقها كتعويذة على صدره: “اقفز من الحافة واصنع أجنحتك في طريقك للهاوية.”

* المستقبل ويللر: لطالما كنت محاميًا ومدافعًا عن استكشاف الفضاء. لماذا يهمك هذا الأمر؟ برادبيري: لنتمكن من العيش للأبد. بإمكاننا أن نعيش لمليون سنة. لمليون سنة من الليلة. ويللر: في كتابك “فهرنهايت 451” المنشور سنة 1953،  تكهّنت بظهور العديد من الأشياء، شاشات التلفاز المسطّحة، سماعات الأذن لأجهزة آيبود، وأجهزة الصراف الآلي. كيف تمكنت من التكهّن بكل هذا في كتاب واحد؟ هذا غريب. برادبيري: هذا أمر صدمني كما صدم الآخرين تمامًا. لا أعلم. كنت فقط أستخدم خيالي عندما كتبته. شخصياتي قامت بكتابته، كل الأفكار جاءت منهم. وعندما تتحدث شخصياتي أستمع لها جيدًا. ويللر: ماذا تتنبأ للبشر على كوكبهم هذا. كوكب الأرض؟ برادبيري: سوف ننجو. لقد نجونا بالفعل حتى الآن. لقد قهرنا الأمراض. أختي ماتت بسبب الانفلونزا عندما كنت في السابعة. عمي مات لنفس السبب. في تلك الأيام لم يكن هناك طب. لقد نسينا، لأن أجيال اليوم وجدت ومعها البنسلين والسلفوناميد. لقد توقف الناس عن الموت، قبلها كنّا نموت لأصغر الأسباب. وهكذا نحن نقهر الأشياء. ننجو. لطالما كنّا ننجو. وسوف نستمر بالعيش والنجاة.

بإمكانكم التواصل معي هنا

© جميع الحقوق محفوظة لمعطف فوق سرير العالم