جمال مكسور وذات متصدّعة: في مدرسة الجمال الكامل من ويتمان إلى بيكاسو إلى باباي


الجزء الأول: والت ويتمان، تبًا لك!

 أعظم ما يتعلّق بأمريكا أنها أرض الفرص الثانية. يأتي إليها الناس لصنع بدايات جديدة. أسلافك ربما فكّروا في هذا أيضًا. هي أرض تحب أن تغفر، أن تدع الإنسان يبدأ من جديد بعد أخطائه الكثيرة.

- هذه نظرية لطيفة. لكن كيف نبدأ "من جديد"؟

لا يوجد زر إعادة للحياة. لا توجد طريقة لمحو الماضي. هناك أسباب للحياة الفعلية (ماديّة وعائلية معروفة) لماذا لا يستطيع كلٌ منّا أن يطوي  خيمته،  ويقفز إلى قطار، ويبدأ حياة جديدة في مدينة أخرى. وحتى لو استطعنا ذلك، هل هذا حقًا هروب من الماضي؟

أنت تحمل ماضيك معك إلى كل مكان تزوره. إنه الحقيبة اللامرئية التي لا يقدر أحد على حملها عنك: أنت فقط من يقدر على دفعها وسحبها من مكان إلى آخر.

ويتمان، أحد أعظم شعراء أمريكا، ادّعى أمام الجميع أنه كبير، أنه احتوى داخله على حشود لا نهائية من البشر. هذا جميل وإيقاعي. هذا بيان ديمقراطي جذري وشعري، وفير وقابل للاختلاف عليه. أحببته عندما كنت طالبًا في الكليّة. وأحبّه كنظرية. لكن ماذا إن فشلت في هضم ماضيك (الشخصي، الثقافي، القومي)؟ كيف تتعامل مع خطاياك وإساءاتك والآلام التي سببتها للآخرين؟ ماذا تفعل بالجزء الذي تكرهه من نفسك؟ الأخطاء التي مازالت تطرق باب قلبك؟


أنا أحتوي على حشودٍ لا نهائية. أنا كاتب، أنا أب، أنا بائع، أنا رجل، أنا صديق لكلب، أنا عدّاء، أنا رجل شديد التعاطف، رجل مهتم، رجل محب، رجل قام الآخرون بجرحه، رجل جرح الكثيرين في حياته، رجل أكثر ضعفًا مما يعترف به، رجل ضحّى لأجل الحفاظ على علاقات كان يجب أن يدعها تنهار، رجل أفسد علاقات كان يجب عليه القتال للحفاظ عليها، رجل يحب نفسه، ورجل يكره نفسه.

إنه توازن دقيق، هذا الجهد لاحتواء الحشود -ليس فقط الحشود التي نحبها- بل أيضًا تلك التي نريد حرقها والفتكَ بها. ولسنوات طويلة لم أستطع فعل ذلك. والألم كان أكبر لأنني لم أستطع.

بإمكاني أن أغفر، لكن ليس لنفسي. بإمكاني أن أغسل أخطاء الآخرين، لكني لا أغسل أخطائي. أنا قادر على فهم الأمر نظريًا، أفهم أنني يجب أن أسامح نفسي، لكني لا أفعل. لذلك أنا عالق في أخطاء الماضي بينما الجميع يمضون في حياتهم.    

لذلك نعم سيّد ويتمان، أنا أحتوي على حشود لا نهائية من البشر. لكنّي لوقت طويل من حياتي تمنّيت ألّا أحتوي على أحد. تمنيت لو كنت بسيطًا، سعيدًا، غير معقد، غير منتبه للماضي، أتجاوز أخطاءه بسهولة.

*

الجزء الثاني: ويتمان، سأعرّفك على بيكاسّو. أنتما أيها الفنانان العظيمان، سأعرفكما على باباي!

أريد أن أعيد اكتشاف شعور الحب دون خوف، باتجاه الحياة وباتجاه نفسي وعاطفتي وإرادتي: إرادة أن أكون ضعيفًا وهشًّا. أريد أن أصل إلى أفضل التجارب في حياتي. أريد أن أطرد الخوف الذي أفسد حياتي، أريد استعادتها منه.

ويتمان يفهم أن الحياة والفن والمشاعر بطبيعتها فوضوية. هذا القبول للفوضى كان نقطة تحوّل مركزيّة بالنسبة لي. الآن أنا أعترف أن لي روحًا فوضوية، عقلًا فوضويًا وقلبًا فوضويًا كذلك. أنا ممتلئ بالبهجة والهزيمة. أتأرجح بين النجاح والفشل، بين دموع السعادة ودموع الحزن، بين أرض تهتز بالحب، وأعماق تتشقق بالوحدة. أن تحتوي على الحشود لا يعني فقط أن تمثّل أوجهًا عديدة للجمال، بل أن تمثّل أيضًا أوجهًا عديدة للخطأ والفشل.

السبب الذي منعني من فعل هذا في السابق؟ 

-لم أكن أجرؤ على الجلوس بهدوء في الفوضى. لم أكن أفهم أن الجمال ينمو بالتحديد بسبب الكسور والتشققات التي نجرّبها.

نحن نرتكب الأخطاء. حشودًا من الأخطاء.

حياتك التي تلوّنها تشبه بيكاسّو: غير مكسور لكنه متشقّق، يُنظر له بطرق مختلفة بناءً على الزاوية التي نختارها -يبدو مربكًا في البداية، ثم جميلًا كلّما بدأنا بتقبّل فشل الوحدة التي تشكّله وتبنيه.


سيّد ويتمان، شكرًا لك. أنا فعلًا أحتوي على حشود لا نهائية من البشر. أنا أعيش، أتحرّك، أنمو، أتطوّر. أنا ألوّن روحي بشكل مستمر. 

سيّد بيكاسو، شكرًا لك. لقد أصبحت أحب جمالي المكسور. الآلام والأخطاء، السعادة والحب صنعا شيئًا فريدًا من قلبي. أصبحت أتعلم الجلوس على الألم، التكاثر في الحب. نحن جميعًا نملك أرواحًا زجاجية ملطّخة، جميلة بسبب ذلك التفاعل الفريد بين المشاعر المتناقضة، والدوافع وحالات الحب والندم.

عندما فهمت ذلك، استطعت أن أغفر لنفسي. وهذا لا يعني عدم وجود ألم. هناك ألم. هناك دموع، هناك أخطاء. وهناك أيضًا حب وابتسامات وضحكات أخيرة للروح. لا يوجد سبب للإنكار أو للبكاء هربًا من ذاتي، ومن الأجزاء التي لم تعجبني في الماضي. لن تستطيع فعل ذلك مهما حاولت.

لقد انتقلت من ويتمان إلى بيكاسو إلى باباي: “I yam what I yam.”

زجاجي الملطّخ، يحتوي على حشود لا نهائية، على وجهات نظر متقاتلة، على تناقضات عديدة، إنه فوضوي جدًا. تلوين طريق حياتك فوضوي دائمًا. 

أنا المادة الخام لعيش حياة مليئة بالحب. هذا يبدأ بي. لدي الآن تقبّل جديد لذاتي، بجراح جديدة، وندوب جديدة. أنا. أنضج. أنا أنضج الآن.

بإمكانكم التواصل معي هنا

© جميع الحقوق محفوظة لمعطف فوق سرير العالم