القُبلة: من جوع الإنسان الأوّل حتى سيجارة سارتر


عادت المدوّنة للنشاط من جديد وبموعد جديد هذه المرة بسبب تغيير الإجازة، ليصبح المقال صباح الأحد من كل أسبوع. سنتحدث عن سرّ القُبلة كيف بدأت وتطورت عبر التاريخ وكيف وقف رجال الدين والأدب والسياسة أمامها، وسنتحدث عن هوس نساء العالم بأحمر الشفاه لنكتشف السبب القديم وراء كل هذا. ثم سننتقل في الجزء الثاني إلى عادات الفلاسفة في التقبيل، فالفلاسفة هم أفضل من يقبل لأنهم يعرفون الدوافع الصحيحة لفعل كل شيء. نبدأ باستعراض وجهة نظر العلم بهذا الخصوص ونقرأ تاريخ القبلة من خلال ما قامت به الكاتبة والصحفية شيريل كيرشينبام من جهد مهم يستحق التوقف عنده.

* “الرجل الذي يستطيع قيادة السيارة بأمان وهو يقبّل فتاة جميلة، فإنه ببساطة لا يعطي القبلة الاهتمام الذي تستحقه.” آلبرت آينشتاين “أتساءل من هو ذلك الأحمق الذي بدأ باختراع القُبلة؟.”جوناثان سويفت - كيف تطوّرت القُبلة؟ عندما يأتي الأمر لأول قبلة في تاريخ البشرية، ليست لدينا أي طريقة تساعدنا على اكتشاف كيف حدثت بالضبط أو لماذا، في يوم من الأيام، حدثت وحسب. ورغم هذا، هنالك قبلات للسعادة، قبلات للشغف والشهوة، قبلات للحب، قبلات للالتزام، قبلات للضرورة الاجتماعية، وقبلات للتوسّل والحزن. سيكون من السخيف افتراض أن كل أنواع القبلات تطورت من أصل واحد، نحن نقبّل لأسباب عديدة. ويؤمن العلماء أن التقبيل ظهر واختفى حول العالم خلال فترات مختلفة وأماكن مختلفة عبر التاريخ. ولكن يبقى السؤال، ما الذي يجعل شفاه الآخر جذّابة لنا لدرجة رغبتنا في تقبيلها؟ نظرية شهيرة تأخذنا للوراء عند فجر التاريخ، عندما اضطر أسلافنا لتحديد أماكن الطعام بين الأغصان والأوراق الكثيفة. حين كان من الصعب العثور على طعام يحتوي على سعرات حرارية كافية، وحين كان التجول في الغابة له مخاطره. في هذا السياق، طوّر أسلافنا قدرة متفوّقة على تحديد الألوان الحمراء، وبالتالي تحديد الفواكه الناضجة. النظر إلى اللون الأحمر يسبب تسارعًا في ضربات القلب، ويجعلنا نشعر بالحماسة أو حتى صعوبة التنفّس. وهكذا كان اللون الأحمر مهمًا جدًا للبشر في تلك الحقبة، وحتى في أقدم الثقافات كان اللون الأحمر هو أوّل الألوان التي سمّيت بعد الأبيض والأسود (وغالبًا لأن هذين اللونين يساعدان على التفريق بين الليل والنهار.) ولكن ما علاقة كل هذا بالقبلة؟ يقترح العلماء أنه طالما بدأ الإنسان الأول بتتبع مصدر اللون الأحمر لتحديد الطعام، فإنه سيتتبعه أينما يجده، وبما في ذلك جسد الأنثى. وهكذا، كان اللون الأحمر إشارة جاذبة لمساعدة الإنسان على تحقيق فعل جوهري وممتع آخر بجانب الأكل: ألا وهو الجنس. * - سر أحمر الشفاه كان أول استخدام لأحمر الشفاه يرجع لخمسة آلاف سنة في المملكة السومرية، والفراعنة القدامى، واليونان وكذلك الرومان الذين استخدموا الأصباغ وأنواع قوية من النبيذ لتلوين الشفاه. واليوم نتحدث عن ما يقارب 75 - 85 ٪ من النساء في أمريكا اللواتي يضعن أحمر الشفاه. ونتحدث عن مليارات الدولارات التي تنفق لما قد يكون يتجه من الأساس بسبب الدافع ذاته الذي جذب أسلافنا الأوائل للفواكه الناضجة. ويؤمن البعض أن القبلات الأولى قد تكون تمت بواسطة الأنف وليس الشفاه، باستنشاقنا للرائحة على خد مَن نحب. وكانت العديد من الثقافات القديمة قد اعتادت على ما يسمى ب”القبلة المحيطية” ليكون هذا الوصف خاصًا بالتحية التقليدية في بولنيزيا. هذه القبلة تتضمن شم الأنف ذهابًا وإيابًا للتعرف على الهويّة، وربما تستخدم أيضًا كوسيلة يعتمد عليها للعودة إلى الأقرباء والأصدقاء، وأيضًا يعتمد عليها في معرفة الحالة الصحيّة للشخص. من المهم أن نعرف أنه بغض النظر إن كانت نوايا القبلة حميمة أم لا، فإنه من الضروري أولًا الاقتراب من “المساحة الشخصية” للطرف الآخر. لتصل إلى هذا القرب عليك أن تحقق مستوى معينًا من الثقة والتوقعات. وهكذا فإن تقبيلك لصديق أو استقبال قبلة منه، يحتاج لمقدار من التقبل يفسّره الإيماء دون كلام. * - قبلة المجرّة النظر إلى السماء المظلمة يشبه النظر للماضي. على بعد ٣٨٠٠ سنة ضوئية في كوكبة العقرب، ربما هناك بالضبط حدثت القبلة الأولى للمجرّة قبل وقت طويل جدًا، عندما كانت النجوم هي المادة الخام. وخلال آلاف السنوات، كانت القبلة هي الفعل الذي من المستحيل منعه أو تحريمه، لطالما سخر منه الشعراء والخطباء، ووصفوه بأنه مقزز وقذر وأسوأ من ذلك. الأباطرة والباباوات حاولوا بشكل متكرر معاقبة ممارسي التقبيل بوضع المبررات الأخلاقية والصحيّة لمنعه، ورغم هذا لم يستطع حتى أقوى رجال العالم السيطرة على الشفاه وقمعها. * - ماهابهاراتا، كاماسوطرا، اينوما إلش القصيدة الهندية الأسطورية ماهابهاراتا، والتي وصلت لصيغتها النهائية في القرن الرابع قبل الميلاد، تصف تقبيلًا رقيقًا على الشفاه في أحد سطورها: “تضع فمها قرب فمي وتحدث صوتًا يشعرني بالمتعة داخلي.” وأيضًا في كاماسوطرا يصف فيه الهنود كل قواعد المتعة والزواج والحب حسب القانون الهندوسي، والكثير من تفاصيل التقبيل وتحتوي على فصل كامل عن تقبيل العشيق، بالتعليمات عن المكان والزمان المناسبين له، وأجزاء الجسم الحساسة “الجبهة، العين، الخد، العنق، الصدر، الشفاه، وداخل الفم.” ويستمر النص القديم في وصف الأنواع وشرحها بشكل كامل. من الواضح أن الهنود كانوا يقبّلون منذ آلاف السنين، ولكن بالتأكيد كان غيرهم يقبّل أيضًا في تلك الفترة. في قصة الخلق البابلية “اينوما إلش” التي وصلتنا عبر نسخة نقشت على ألواح صخرية ترجع للقرن السابع قبل الميلاد، تشير القصة إلى عدد من القبلات، بما فيها قبلات التحية، القبلات على الأرض أو الأقدام للتضرع والخضوع. واليونانيون أيضًا، كان لديهم تاريخ طويل ومتنوع مع القبلات، يظهر هذا في أوديسة هومر وفي الإلياذة أيضًا، ولكن القبلات فيهما كانت قبلات بريئة ليست على الشفاه، فلا وجود للقبلات الرومانسية أو الجنسية فيما نقل عن هومر أبدًا. وبالإنتقال إلى العصور الرومانية نجد تطورًا عظيمًا لثقافة التقبيل في هذا الوقت. يتجلى هذا في شاعر الرومان كاتولوس، وبالذات في هذا المقطع من قصيدته الخالدة: "دعينا نحيا، ليزبيا، دعينا نحب، دعينا نعظّم مرة واحدة كل كلام الرجال المسنين الذين يصعب إرضاؤهم. قد تغيب الشموس وتشرق مرة أخرى. ولكن لنا، عندما يغيب الضوء القصير، نوم ليلة لا ينقطع. اعطني ألف قبلة، ثم مئة قبلة، ثم ألف قبلة، ثم مئتي قبلة، ثم ألفًا ثانية، ثم مئة ثانية. ثم دعينا نصل إلى آلاف القبلات التي لا نستطيع عدّها، لن نعرف الحساب، ولن يستطيع أي شخص خبيث أن يفسد قبلاتنا بعينه الشريرة عندما يعلم أنها كثيرة جدًا

بإمكانكم التواصل معي هنا

© جميع الحقوق محفوظة لمعطف فوق سرير العالم