أسطورة خلق كوكاكولا


- كوكاكولا في الصيدليات فقط.


في شهر مايو من سنة ١٨٨٦ قام صيدليّ في أتلانتا يدعى جون پمبرتون باختراع مشروبٍ ما. تقول الرواية الرسميّة لشركة كوكاكولا، أنه كان يعبث ويجرب بطريقة عشوائيّة حتى وقع على التركيبة الصحيحة لمكونات كوكاكولا بالصدفة بينما كان يحاول اكتشافَ علاجٍ للصداع. في ظهيرة يومٍ ما قام بخلط عدد من المكونات في وعاء ضخم لينتج سائلًا ملونًا، أخذه بعد أن انتهى منه لصيدلية قريبة، ومزجه بماء الصودا، وانتهى به الأمر أن وصل إلى خلق مشروب لذيذ، فوّار، ومنعش، سمّي فيما بعد كوكاكولا، ووصل إلى أقصى أنحاء المعمورة.

- النبتة المقدسة لشعوب الإنكا. كان من المعروف بين سكّان أمريكا الجنوبية أن أوراق شجرة الكوكا لها تأثير منشّط، وكانت الكوكا تعرف بأنها النبتة المقدسة لشعوب الإنكا. بمضغ كرة صغيرة من ورق الكوكا، بإمكانك أن تحصل على قدر لا بأس به من مخدر شبه قلوي، يعرفه الجميع، إنه الكوكايين. جرعات صغيرة منه تكفي لرفع حدة التركيز، كالكافيين تمامًا، وتقلل الشهية لتناول الطعام، مما يجعل السفر الطويل عبر جبال الأنديز ممكنًا دون الحاجة للكثير من الطعام أو النوم. كان قد تم استخلاص الكوكايين من أوراق شجرة الكوكا في سنة ١٨٥٥، وأصبح موضوع دراسة لدى العلماء والأطباء، الذين اعتقدوا أن بإمكانه علاج المدمنين على الأفيون بجعله بديلًا له، دون أن يعرفوا أن الكوكايين يسبب الإدمان أيضًا. تابع پمبرتون النقاش الذي دار حول الكوكا في المذكرات الطبية عن قرب، وعند حلول سنة ١٨٨٠ خرج بمنتج جديد أسماه كوكا النبيذ الفرنسي. وبدأت مبيعاته بالازدياد شيئًا فشيئًا، وحقق الانتشار الذي طالما حلم به. لكن هذا النجاح لم يستمر طويلًا حين صوتت مقاطعة أتلانتا ومقاطعة فولتن على منع بيع المشروبات الكحولية ابتداءً من يوليو ١٨٨٦، ولمدة سنتين. ونتيجة لهذا، احتاج پمبرتون لإنتاج مشروب جديد وناجح لا يحتوي على أية كحول خلال وقت قياسيّ. عاد إلى معمله وبدأ بالعمل مرة أخرى على شراب يحوي مادتي الكوكا والكولا، بمرارة المكونين الأساسيين وحلاوة السكّر المضاف. وكان من المفترض أن يكون هذا دواءً في أول الأمر قبل أن يتحول إلى مشروب يومي منعش يستمتع به الصغار قبل الكبار. ثم قام بإرسال المشروب الجديد للصيدليات المجاورة ليرى انطباعات المرضى عنه. كانت النتائج مبهرة بالنسبة لپمبرتون، واحتاج إلى تسمية هذا المشروب الجديد، فأشار عليه شريكه في العمل أن يسميه “كوكاكولا” ويستبدل حرف K في الكلمة الأصلية Kola بحرف C، لأن عليه التفكير في الطريقة التي سيظهر بها اسم كوكاكولا في الإعلانات المكتوبة أيضًا. فأصبحت عند تلك اللحظة Coca-Cola بهذا الاسم. - بداية القرن العشرين، والتخلص من الكوكايين في كوكاكولا. كانت التركيبة الأصلية لكوكاكولا التي تباع في ذلك الوقت تحتوي على مقدار ضئيل من الكوكايين، والذي تم التخلص منه نهائيًا في بداية القرن العشرين، برغم بقاء بعض المستخلصات المستمدة من أوراق شجرة الكوكا في المشروب حتى اليوم. وبدأ انتشار هذا المشروب الخالي من الكحول، مضى پمبرتون بالدعاية له عندما ألحق هذا الوصف بكل الزجاجات التي قام بشحنها للصيدليات التي يتعامل معها: “هذا المشروب العقلاني والمعتدل يحتوي على الخصائص القيّمة والمنبهة لنبتة الكوكا وجوزة الكولا، ليتجاوز كونه مشروبًا لذيذًا، منعشًا، ومنشطًا، ويصبح أيضًا منبهًا قويًا للعقل، ودواءً لكل المشاكل العصبية كالصداع، الآلام الأعصاب، الهلوسات، الحزن، وغيرها. النكهة النادرة لمشروب كوكاكولا سوف ترضي أغرب الأذواق.” - كوكاكولا في المحكمة. وكما وضع حاكم مكة القهوة أمام العدالة سنة ١٥١١، قام رجل يدعى ويلي بوضع كوكاكولا أمام العدالة أيضًا في سنة ١٩١١، بتهمة احتواء كوكاكولا على الكافيين وانتشارها دون رقابة بين الأطفال. وفي المحكمة وقف المتعصبون المتدينون ضد شرور كوكاكولا، وقالوا أن الكافيين الذي تحتويه كوكاكولا هو سبب للانتهاكات الجنسية التي كانت منتشرة آنذاك. بعدها قام علماء الحكومة بدراسة تأثيرات كوكاكولا على الأرانب والضفادع، وقام عدة شهود بالشهادة لصالح كوكاكولا. واستمرت القضية لشهر كامل، كانت أشبه ما تكون بالمسرحية المثيرة، تخللتها اتهامات بتزوير أعضاء هيئة المحلفين وتغطية إخبارية هائلة: “ثمان زجاجات كوكاكولا تحوي ما يكفي من الكافيين لقتلك،” كان هذا أحد عناوين الصحف خلال أيام المحاكمة، دون أي استناد علمي يذكر. كانت مشكلة قضية ويلي أنها مبنية على اعتراضات أخلاقية وليست على اعتراضات علمية. لا أحد كان ينكر وجود الكافيين في كوكاكولا، ولكن السؤال هو، هل كان هذا الكافيين ضارًا، للأطفال بالذات. أظهرت الأدلة العلمية فيما بعد أنه لم يكن ضارًا. وبالإضافة إلى هذا، لم يحاول ويلي أن يحظر الشاي أو القهوة، بل كوكاكولا فقط. وجدت كوكاكولا طريقة أخرى لبيع منتجاتها للأطفال حين قامت بوضع سانتا كلوز في ملصقات عديدة وهو يشرب كوكاكولا بكل سعادة، بهذه الطريقة بدأت كوكاكولا بتأسيس علاقتها مع زبائنها الصغار سنة ١٩٣١. وبعدها انتشر الاعتقاد الخاطئ الذي يحمّل كوكاكولا مسؤولية الصورة المعاصرة لسانتا كلوز، كرجل ذو لحية، يرتدي بذلة حمراء مطرّزة بالأبيض، لتدل هذه الألوان على شعار كوكاكولا. لقد سيطرت كوكاكولا على أمريكا، وكانت جاهزة للسيطرة على العالم، وتذهب بعدها إلى أقصى مكان تصله أمريكا. وعلى الضفة المقابلة، كانت ألمانيا واليابان، القوتين المضادتين لأمريكا، تقدمان كوكاكولا على أنها النموذج الحي لكل ما تمثله أمريكا من أخطاء، برغم شهرة كوكاكولا آنذاك في كلا البلدين، خاصة ألمانيا. وبصرف النظر عن هذه الحقيقة كانت الپروپاغاندا مسخرة لنشر عبارات مثل: “أمريكا لم تقدم شيئًا لحضارة العالم، سوى العلك وكوكاكولا."وفي اليابان أيضًا كانت التصريحات تقول: "مع كوكاكولا، استوردنا جراثيم أمراض المجتمع الأمريكي بأكملها.” ولكن رغم كل هذا كانت كلمة “كوكاكولا” ثاني أشهر كلمة مفهومة في العالم بعد كلمة “Ok”. لم تستطع أي شركة أخرى أن تحقق انتشارًا شبيهًا بهذا على الإطلاق. ودون نقاش كانت كوكاكولا مشروب القرن العشرين، وكل هذا يأتي معها: نهضة أمريكا، انتصار الرأسمالية على الشيوعية، وتحقيق العولمة. وسواءً اختلفت أو اتفقت مع هذه المبادئ، لن تستطيع إنكار هيمنتها الطاغية.

بإمكانكم التواصل معي هنا

© جميع الحقوق محفوظة لمعطف فوق سرير العالم